علي الهجويري

163

كشف المحجوب

حفص النيسابوري ، وكان الأستاذ في هذه السياحة قد لبس القباء ، فلما رآه أبو حفص قام له من مجلسه ، وتقدم لمصافحته قائلا : « وجدت في القباء ما طلبت في العباء » . وكنت مدة إقامتنا في نيسابور أجد في نفسي رغبة شديدة في الاجتماع بأبى حفص ، ولكن خشيت غيرة الشيخ ، وكنت 4 في صلاتي أسأل اللّه تعالى أن يمتعنى بصحبة أبى حفص ، بدون أن أغير قلب الأستاذ على ، لأنه كان رجلا غيورا . وكان أبو حفص يعلم برغبتي في صحبته ، فلما آن الرحيل لبست ملابس السفر وتركت قلبي مع أبي حفص ، فقال الشيخ : « أنا مسرور بهذا الفتى ، فدعه يقيم معي » . فالتفت إلى الأستاذ ، وقال : « أقم حيث أمرك السيد » فمكثت مع أبي حفص ، وشاهدت عجائب كثيرة في صحبته . قال المؤلف : فاللّه سبحانه وتعالى قد تفضل على أبى عثمان بأن يتلقى ثلاث مقامات على يد ثلاثة مشايخ ، وهذه المقامات التي تلقاها عنهم جعلها مقاما له ؛ فمقام الرجاء ناله بصحبته ليحيى ، والغيرة بصحبته للشيخ شاه بن شجاع ، والشفقة بصحبته لأبى حفص . وقد يسمح للمريد بأن يجتمع بالعارفين وأن ينال من مقاماتهم المختلفة . ولكنه من الأحسن للمريد ألا يخلط مكانه بمقامهم ، وعليه أن يشير إلى كمالهم في مراتبهم ويحفظ الأدب بأن ينسب الفضل إليهم . وقد كان لأبى عثمان قسط وافر في انتشار الصوفية في خراسان ونيسابور ، وقد اجتمع بالجنيد ورويم ويوسف بن الحسين ومحمد بن الفضل البلخي ؛ ولم يحصل أحد على ما حصل عليه الشيخ في أساتذته ، وكان يدرس لأهل نيسابور التصوف ، ويجلسونه على كرسي إكراما له ، وله كلام دقيق في فروع هذا العلم . يروى أنه قال : « حق لمن أعزه اللّه بالمعرفة أن لا يذله بالمعصية » « 1 » .

--> ( 1 ) انظر السلمى طبقات ص 169 .